ملا محمد مهدي النراقي

154

جامع السعادات

فصل الأنس قد يثمر الإدلال قال أبو حامد الغزالي : ( الأنس إذا دام وغلب واستحكم ، ولم يشوشه قلق الشوق ، ولم ينغصه خوف البعد والحجاب ، فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع الله سبحانه ، وقد يكون منكرا بحسب الصورة ، لما فيه من الجرأة وقلة الهيبة ، ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الأنس ، ومن لم يقم في ذلك المقام وتشبه بهم في الفعل والكلام ، هلك وأشرف على الكفر . ومثاله مناجاة ( برخ الأسود ) الذي أمر الله تعالى كليمه موسى ( ع ) أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل ، بعد أن قحطوا سبع سنين ، وخرج موسى في سبعين ألفا ، فأوحى الله عز وجل إليه : كيف استجيب لهم وقد أظلت عليهم ذنوبهم ؟ سرائرهم خبيثة ، يدعونني على غير يقين ، ويأمنون مكري ، إرجع إلى عبد من عبادي يقال له ( برخ ) ، فقل له : يخرج حتى أستجيب له . فسأل عنه موسى ، فلم يعرف ، فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق ، إذا بعبد أسود قد استقبله ، بين عينيه تراب من أثر السجود ، في شملة قد عقدها على عنقه ، فعرفه موسى بنور الله عز وجل ، فسلم عليه وقال له : ما اسمك ؟ فقال : اسمي برخ ، قال : فأنت طلبتنا منذ حين ، أخرج فاستسقي لنا ، فخرج ، فقال في كلامه : ما هذا من فعالك ، ولا هذا من حلمك ، وما الذي بدا لك ؟ أتعصت عليك غيومك ؟ أم عاندت الرياح عن طاعتك ؟ أم نفذ ما عندك ؟ أم اشتد غضبك على المذنبين ؟ ألست كنت غفارا قبل خلق الخاطئين ؟ خلقت الرحمة وأمرت بالعفو ، أم ترينا أنك ممتنع ؟ أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة ؟ ! . . . قال : فما برح حتى اخضل بني إسرائيل بالمطر ، وأنبت الله عز وجل العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب ، ثم رجع ( برخ ) ، فاستقبله موسى فقال : كيف رأيت حين خاصمت ربي ، كيف أنصفني ؟ ! فهم به موسى ، فأوحى الله إليه : إن برخا يضحكني كل يوم ثلاث